عندما أصبح محمد بن سلمان (MBS) ولي عهد المملكة العربية السعودية في عام 2017، تعهد بأن المملكة لن تعد "نضيع 30 عامًا أخرى من حياتنا في التعامل مع الأفكار المتطرفة.”تعهد بتحريك المملكة العربية السعودية نحو إسلام أكثر “اعتدالاً" من شأنه تمكين المرأة وتحديث المجتمع وتخفيف قبضة المؤسسة الدينية السعودية المتشددة.
صانعو السياسات ووسائل الإعلام الغربية تبنى السرد. ومع ذلك، بعد مرور ما يقرب من عقد من الزمان، يبدو هذا الوعد جوفاء. بل إن محمد بن سلمان والمملكة العربية السعودية أتقنوا استخدام الترفيه الراقي لتشتيت الانتباه عن سجلهم المزري في مجال حقوق الإنسان. على سبيل المثال، في عام 2025، استضافت المملكة العربية السعودية مهرجاناً كوميدياً ضم مجموعة من مشاهير الكوميديا مثل ديف تشابيل وكيفن هارت وغابرييل إغليسياس وبيل بور وويتني كامينغز وبيت ديفيدسون وتوم سيغورا وأندرو شولتز وغيرهم.
التوقيت لا يمكن أن يكون أكثر وضوحًا. لم يتزامن المهرجان مع الذكرى السابعة للقتل الوحشي للكاتب في صحيفة واشنطن بوست جمال خاشقجي، الذي تم تقطيع أوصاله في القنصلية السعودية في اسطنبول على يد عملاء سعوديين فحسب. بل تزامن أيضًا مع تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية الذي تم رفع السرية عنه لاحقًا. اختتم أن عملية الاغتيال تمت بموافقة شخصية من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (MBS).
لم يكن مهرجان الكوميديا حدثًا منفردًا، بل كان جزءًا من استراتيجية تبييض صورة أكبر وأطول أمدًا حذر منها المدافعون عن حقوق الإنسان. فقد ضخت السعودية مليارات الدولارات في الفعاليات الثقافية والرياضية، واشترت طريقها إلى كأس العالم لكرة القدم 2034 (الظروف القاسية ووفاة العمال المهاجرين)، وتوقيع عقود مع نجوم كرة القدم الكبار مثل كريستيانو رونالدو وكريم بنزيمة، واستضافة سباقات الفورمولا واحد (في عام 2023، تم إعدام 81 رجلاً في يوم واحد قبل وقت قصير من سباق الجائزة الكبرى، مع 41 من الأقلية الشيعية الذين شاركوا في احتجاجات تطالب بمشاركة سياسية أكبر، وفقًا للأمم المتحدة). الكوميديون هم أحدث المجندين في هذه الحملة منسق بقلم تركي الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه في المملكة والمهندس الرئيسي لسياسة ”غسل الصورة“ الرياضية للمملكة العربية السعودية وتجديد صورتها العالمية.
هذا العرض المدروس بعناية لا يقتصر على الثقافة والترفيه. فنفس نمط الرسائل الانتقائية والتناقض الاستراتيجي يحدد سياسة السعودية الخارجية والدينية.
لتوضيح طبيعة ملكية محمد بن سلمان الانتهازية والحسابية بشكل أفضل، يمكننا استكشاف طبيعة علاقته بجماعة الإخوان المسلمين. في عام 2018، ندد ولي العهد بالمنظمة باعتبارها جزءًا من ”مثلث الشر“ إلى جانب إيران والجماعات المتطرفة. قادت المملكة العربية السعودية حصارًا ضد قطر على وجه التحديد بسبب دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، وقطعت العلاقات الدبلوماسية وطالبتها بالتخلي عن المنظمة كشرط مسبق لاستعادة العلاقات.
ومع ذلك، تعمل المملكة العربية السعودية الآن جنبًا إلى جنب مع حزب الإصلاح التابع لجماعة الإخوان المسلمين، كحليف عملي في زمن الحرب ضد الحوثيين، على الرغم من حظر الجماعة محليًا. وهذا يعني تحولًا سعوديًا أوسع نطاقًا نحو محور الشر المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين (إيران وقطر وتركيا).
يمكن ملاحظة التعاون المتزايد بين المملكة العربية السعودية وجماعة الإخوان المسلمين بشكل واضح في القائمة المتزايدة من المشاريع المشتركة بين المملكة العربية السعودية وقطر. ومن أبرزها مشروع السكك الحديدية عالية السرعة الذي يربط بين الرياض والدوحة، والاتفاقيات التجارية، ومذكرات التفاهم في مجال السياحة.
ومن المثير للاهتمام أن الهيكل السياسي للمملكة العربية السعودية لا يزال عميقاً متشابك مع الوهابية — وهي تفسير متشدد وحرفي للإسلام السني ترعاه الدولة، وقد شكلت هوية المملكة منذ تأسيسها. تم بناء التحالف بين عائلة آل سعود الحاكمة والمؤسسة الدينية الوهابية على أساس الشرعية المتبادلة: يمنح رجال الدين التابعون للدولة الملكية السلطة الدينية، بينما تحمي الملكية هيمنة رجال الدين على الحياة الاجتماعية والدينية.
على الرغم من ادعاءات محمد بن سلمان بالتحديث والإسلام المعتدل، لم يتم تفكيك هذا التحالف؛ بل أعيد تصميمه. لم تعد المؤسسة الدينية تعمل كسلطة أخلاقية شبه مستقلة، بل كأداة سياسية لقمع الاختلاف في الرأي، وتصنيع الموافقة الدينية، والتصديق على المراسيم الملكية. يتم ترقية رجال الدين الذين يظهرون ولاءهم لمحمد بن سلمان، بينما يتم صامت. للإشارة، أعدمت السلطات السعودية ما لا يقل عن 356 شخصًا في عام 2025، مسجلة بذلك رقمًا قياسيًا جديدًا في البلاد لأعلى عدد من الإعدامات في عام واحد منذ بدء الرصد. قالت منظمة هيومن رايتس ووتش.
في هذا النظام المعاد تشكيله، لا يُعرّف ”الاعتدال“ بالتسامح أو الإصلاح، بل بالطاعة لمحمد بن سلمان. ما أنشأه محمد بن سلمان هو لاهوت استبدادي يقدس هيمنته السياسية تحت غطاء مكافحة التطرف. بدلاً من التحديث، تتعمق القمع في السعودية.
بصفته وزير الدفاع والحكم الفعلي، يُنظر إلى محمد بن سلمان على نطاق واسع على أنه مهندس ما يُعتبر متطرفًا. فهو يختار بشكل ملائم متى يتم استخدام الدين كأداة سياسية لقمع المعارضة وتبرير المراسيم الملكية. ويتم ترقية رجال الدين الذين يظهرون ولاءهم، بينما يتم إسكات أولئك الذين يدعون إلى إصلاح حقيقي أو تعددية.
خذ على سبيل المثال ترقية صالح الفوزان - الذي وصفه محمد بن سلمان بأنه بمثابة أب له - إلى منصب المفتي العام. فقد أعلن الفوزان علناً أن المواطنين السعوديين الشيعة هم غير مسلمين وأيد العنف ضد المعارضين. في عام 2018، قبل أسابيع قليلة من مقتل الصحفي جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين - وهي عملية خلصت المخابرات الأمريكية إلى أنها تمت بموافقة محمد بن سلمان - أصدر الفوزان فتوى تدعو إلى قتل المعارضين. كما برر سلفه العنف ضد الأقليات الدينية ودعا إلى تدمير الكنائس في شبه الجزيرة العربية.
هذان الرجلان، محمد بن سلمان وصالح الفوزان، يمثلان الاستمرارية وليس التغيير. إنهما يجسدان مؤسسة دينية متشددة للغاية لا تزال متعصبة للغاية وعنيفة طائفياً ومعادية للمرأة. الفرق في عهد محمد بن سلمان هو أن هذه المؤسسة أصبحت الآن خاضعة سياسياً بدلاً من أن تكون شبه مستقلة. ويزدهر العلماء السلفيون المتشددون الذين يؤكدون سلطته. أما المعتدلون الذين يتحدونها فيتم سحقهم. في حين أن الغرب يغض الطرف عن تطرف محمد بن سلمان.
في هذا النظام، تعني ”الاعتدال“ الطاعة لمحمد بن سلمان، وليس التسامح أو الإصلاح الحقيقي. ما تم إنشاؤه هو لاهوت استبدادي يقدس الهيمنة السياسية تحت ستار مكافحة التطرف.
ما يحدث في المملكة العربية السعودية يمكن فهمه على أنه إعادة هيكلة للدين لتحقيق هذه الغاية: يتم توحيد السلطة الدينية تحت سلطة محمد بن سلمان ووضعها تحت السيطرة المباشرة للملكية. علاوة على ذلك، هناك جهود مستمرة في المملكة لاتخاذ مبادرات تحديثية شكلية كإشارات للغرب، ولكن في الواقع، يتحالف محمد بن سلمان مع الجماعات التي يقرها الغرب مثل جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من المنظمات المصنفة كمنظمات إرهابية، ويعمل على تعزيزها وتقويتها لتقويض الغرب.












اترك تعليقاً