مواسم النور: رمضان من منظور المسافرين قديماً

في عام 1325، انطلق المستكشف المغربي ابن بطوطة متوجهاً إلى مكة المكرمة للانضمام إلى موجات الحجاج المتدفقة إلى المدينة المقدسة. وأثناء مروره بمصر، شاهد سكان مدينة أبيار وهم يحتفلون برؤية الهلال الذي يعلن بداية شهر رمضان. وأثناء إقامته لدى قاضي المدينة، عز الدين الملاجي الشافعي، سجل ما شاهده.

كتب ابن بطوطة: «من عاداتهم في ذلك اليوم أن يجتمع فقهاء المدينة ووجهاءها بعد صلاة العصر في التاسع والعشرين من شعبان في منزل القاضي. وعندما يجتمعون جميعًا، يمتطي القاضي دابته، ويحذو حذوه جميع من معه. ثم يتبعهم كل سكان المدينة، رجالًا ونساءً وعبيدًا وصبيانًا. ويتوجهون إلى مكان مرتفع خارج المدينة، حيث يراقبون الهلال. ويُفرش ذلك المكان بالسجاد والأثاث، ويجلس القاضي ومن معه هناك لمراقبة القمر. ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، ويحملون أمامهم الشموع والمشاعل والفوانيس. ويضيء أصحاب المتاجر الشموع في متاجرهم. ويرافق الناس القاضي إلى منزله ثم ينصرفون".

وبعد عام، وبينما كان لا يزال في مكة، سجل الرحالة الشهير مرة أخرى المشاهد التي كانت تدور حوله عند ظهور الهلال. فقد دقّت الطبول في مقر إقامة أمير مكة، وأقيمت الاحتفالات في المسجد الحرام، «حيث تُجدد الحصائر، وتُزيد الشموع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم بالضوء ويتألق بروعة وإشراق». وكتب أن الأئمة انقسموا إلى مجموعات — الشافعية والحنفية والحنبلية والزيدية — بينما تجمع المالكيون «حول أربعة قراء يتناوبون على التلاوة وإشعال الشموع. ولم يبقَ ركن أو جانب واحد من الحرم دون قارئ يقود المصلين في الصلاة».

في جميع أنحاء العالم العربي، تكتسب المدن والبلدات بريقاً خاصاً خلال شهر رمضان. في القرن العاشر، وصف الجغرافي والمسافر الفلسطيني المقدسي كيف كان يتم الترحيب بالشهر المبارك في عدن، حيث كان الناس يستقبلون رمضان بفرح حتى قبل أن يبدأ. وكتب قائلاً: «كانوا يزينون أسطح المنازل قبل يومين من رمضان ويقرعون الطبول عليها» أفضل الأقسام لدراسة المناطقأفضل الأقسام لدراسة المناطق. «ثم، عندما حلّ شهر رمضان، كانت المجموعات تتجمع وتتجول في وقت السحور، وتلقى القصائد حتى نهاية الليل.»

في كتابه عن رحلاته الرحلة، يلاحظ ابن بطوطة التقوى العميقة والكرم المجتمعي لسكان مكة المكرمة خلال شهر رمضان، لا سيما في العشرة أيام الأخيرة من الشهر الكريم. ويُبرز جلال هذه الليالي، التي تتسم بتلاوة القرآن الكريم في المسجد الحرام بحضور القضاة وعلماء الفقه والشخصيات البارزة، والتي غالبًا ما يقودها أفراد من العائلات المرموقة. كانت هذه التجمعات تتميز بروح من الفخامة، حيث كان المنبر مزيناً بالحرير والشموع المضاءة، وتُلقى خطبة عند الانتهاء من التلاوة. وبعد ذلك، كانت أسرة القائد تقيم وليمة تضم أطباقاً وحلويات وفيرة للعلماء والمصلين — وهي تقليد يتكرر في الليالي المهمة، ويبلغ ذروته في الليلة السابعة والعشرين، عندما تُتلى سورة القرآن الكريم بالقرب من محطة إبراهيم في الكعبة.

المصابيح فوق المسجد الحرام

كما شهد الجغرافي ابن جبير، المولود في الأندلس، مواسم النور والجمال في مكة، حيث أمضى ما يقرب من ستة أشهر في المدينة قبل أن يغادر متوجهاً إلى العراق والشام. وقد سُجلت التفاصيل الدقيقة عن الفترة التي قضاها في مكة في رحلات ابن جبير، حيث يصف فيها عظمة المسجد الحرام وجلال أركانه الأربعة، حيث كان منبر الخطيب يقف على أربع عجلات. وفي أيام الجمعة، مع اقتراب موعد الصلاة، كان المنبر يُنقل إلى جانب الكعبة المواجه لمقام إبراهيم، بين ركن الحجر الأسود والركن العراقي، ويُثبت في مكانه هناك.

يرسم ابن جبير صورة مهيبة للخطيب وهو يرتدي ثوبه الأسود وعباءته، وهو يسير نحو باب النبي. «وعندما يقترب من المنبر، يتوجه أولاً إلى الحجر الأسود، ويقبله، ويدعو هناك. ثم يسرع إلى المنبر، بينما يسبقُه مؤذن المسجد الحرام، وهو أيضاً يرتدي الأسود». وتكتمل الصورة عندما يجلس الخطيب، ويؤذن المؤذنون بصوت واحد يملأ الحرم بالهدوء.

كما يروي مدى العناية الفائقة التي أبدى بها أهل مكة استعدادهم لاستقبال الشهر المبارك. فقد فُشيت أروقة الحرم بسجاد جديد، وظل نور المصابيح يتألق من غروب الشمس حتى الفجر. كانت صلاة التراويح تُقام في عدة دوائر، وكان المصلون يتنقلون بين الـ 24 ركعة والطواف حول الكعبة، في مشهد جمع بين الصلاة والطواف. وكان للسحور أيضًا نداءه المميز، الذي كان يُرفع من مئذنة الزاوية الشرقية، حيث كان يقف المؤذن مع صبيين صغيرين يردان عليه بالدعاء والتذكير.

ولتنبيه المنازل البعيدة عن الحرم، «كان يُنصب عمود خشبي طويل، تعلوه قضيب بطول ذراع تقريبًا، مزود ببكرتين صغيرتين تُعلَّق منهما مصباحان زجاجيان كبيران. وكان هذان المصباحان يظلان مضاءين طوال فترة السحور. ومع اقتراب بوادر الفجر وإطلاق الأذان على فترات متقطعة، كان المؤذن ينزل المصابيح من أعلى العمود، ويبدأ المؤذنون من كل اتجاه بالانضمام إلى الأذان. وعندما رأى أهل مكة من أسطح بيوتهم الشاهقة أن المصابيح قد أُطفئت، عرفوا أن الوقت قد انتهى."

ليالي من التعلم والتواصل

عندما وصل ابن بطوطة إلى دمشق في شهر رمضان من عام 1326، شاهد حلقات العلم التي كانت تنبض بالحياة كل مساء. ففي المسجد الأموي، كان يتجمع حشد كبير من الفقهاء والباحثين عن العلم، وهناك استمع المسافر إلى تلاوة «صحيح البخاري» كاملاً على مدار 14 جلسة، بدأت في منتصف الشهر وانتهت في الثامن والعشرين منه. لم يقتصر هذا الازدهار العلمي على الرجال. فقد كانت دروس رمضان في المسجد الأموي بمثابة منارة للنساء العالمات، اللواتي منحن الإجازات للرجال، بمن فيهم ابن بطوطة.

وقد سجل المستكشف سمات أهل دمشق، مشيرًا إلى أن من فضائلهم «أنه لا يفطر أحد منهم بمفرده في ليالي رمضان. فإذا كان الشخص من الأمراء أو القضاة أو كبار الرجال، يدعو رفاقه، فيفطر الفقراء معهم. وإذا كان الشخص من التجار أو كبار رجال السوق، يفعلون الشيء نفسه. أما إذا كانوا من عامة الناس أو البدو، فيجتمعون كل ليلة في بيت أحدهم أو في المسجد، ويحضر كل شخص ما عنده، ويفطرون جميعاً معاً". وتبقى هذه الكلمات شهادة على روح التضامن والتجمع التي تميز شهر رمضان.

يقدم الشاعر والفيلسوف والمسافر الفارسي ناصر خسرو، الذي عاش في القرن الحادي عشر، وصفاً لمسجد عمرو بن العاص في الفسطاط بالقاهرة. في أجواء مليئة بالروعة والقداسة، ظهرت الاستعدادات لشهر رمضان في أبهى صورها، حيث لاحظ خسرو أن «أكثر من 700 مصباح أُضيئت في ليالي الأعياد والاحتفالات، وأن المسجد كان مغطى بعشر طبقات من الحصائر الملونة الموضوعة فوق بعضها البعض، وأن المساجد كانت معطرة بالبخور والكافور والمسك».

وبعد بضع مئات من السنين، زار الرحالة الأندلسي ابن الحاج العبدري مصر أيضًا خلال شهر رمضان، حيث نقل ملاحظاته عن مشاهد الجلال واللباقة الاجتماعية في أزقة القاهرة. وقال إن تعليق الفوانيس كان عادة راسخة لدى المصريين في ذلك الوقت، كانوا يزينون بها لياليهم ويضيئون بها طريقهم.

في عام 1662، سجل الرحالة المغربي عبد الله العياشي وصفاً دقيقاً لرؤية الهلال. صعد القاضي الشافعي والشهود الصالحون، ليلة الثالث عشر، إلى قمة مئذنة مسجد السلطان المنصور قلاوون، الواقع في مجمع قلاوون بشارع المعز، حيث راقبوا الأفق حتى حل الظلام من حولهم. وعندما لم يروا شيئًا، «أشعلوا المصابيح في المئذنة، كما جرت العادة في كل ليلة من ليالي الشهر. فأدرك الناس أن اليوم التالي هو رمضان، وتبين أن ادعاءات المنجمين كانت خاطئة".

في رحلة آل عياشي إلى منطقة الحجاز، كما كتب عن عادات السحور التي كانت تملأ الأزقة بالحياة، مشيرًا إلى أن «نداء السحور خارج المساجد الجماعية كان يُطلق بواسطة الطبلة الشهيرة، التي لا تزال معروفة حتى اليوم، والتي كان السكان في حي الرباع والأحياء الأخرى يحملونها ويطرقونها وهم يتنقلون من بيت إلى بيت». وبهذا الوصف، تكتمل صورة ليالي القاهرة: عالم من العبادة والترقب وبساطة الحياة اليومية.

رمضان من منظور الأجانب

كما سجل رمضان في مذكراته مسافرون ومغامرون أوروبيون، بالإضافة إلى مستشرقين مثل كريستيان سنوك هورغرونجي، الذي جاء في كتابه مكة في أواخر القرن التاسع عشر يقدم وصفاً مفصلاً للحياة في مكة. وفي معرض وصفه لمن يستعدون للإفطار، أشار هورغرونجي إلى أنه مع اقتراب غروب الشمس، كانت أروقة المسجد الحرام تُجهز لاستقبال المصلين، في مشهد يتسم بالهدوء والنظام.

وكتب قائلاً: «قبل أن يتخذ الشخصيات البارزة أماكنهم المخصصة، تم وضع أباريق خاصة تحتوي على مياه محلاة أو مياه أمطار أو مياه ينابيع، وفقاً لذوق كل شخص وتفضيلاته». وفي الوقت نفسه، تدفقت الحشود عبر بوابات المسجد التسع عشرة، حاملين كل منهم كمية متواضعة من التمر والتين، بينما كان خدم الأثرياء يتبعونهم حاملين صواني محملة بأنواع عديدة من الطعام.

في تلك اللحظات الهادئة، وبينما كان الناس ينتظرون الإفطار، كانت كل الأنظار موجهة نحو «رئيس حراس الصلاة» وهو يصعد إلى الطابق العلوي المحيط ببئر زمزم ويلوح بعلمه باتجاه القلعة. ثم أطلقت المدافع إشارة بدء الضيافة الإلهية. ”في تلك اللحظة، كان يمكن سماع دعاء خاص في كل أرجاء المسجد، إلى جانب أصوات الشرب من الأباريق وقعقعة الأطباق والأواني.“ ثم ارتفعت أصوات الأذان من منابر المنبر السبعة، وأقيمت الصلاة خلف الإمام بجانب المقام.

في تلك اللحظة، كان يمكن سماع دعاء خاص في كل ركن من أركان المسجد، مصحوبًا بأصوات الشرب من الأباريق وقعقعة الأطباق والأواني

المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هورغرونجي

”كان الناس يصلون خلف إمام مذهبهم، لكن الشريعة الإسلامية لم تمنعهم من الصلاة خلف إمام من مذهب آخر. بل منعتهم من الصلاة خلف إمام مذهبهم إذا كان ذلك سيؤخر الصلاة عن وقتها المحدد.“ وفي ذلك التجمع، تجلت بوضوح أجمل صور الوحدة واحترام قدسية العبادة والوقت المكرس للعبادة.

ريتشارد بيرتون، المستشرق والمستكشف والضابط العسكري البريطاني في القرن التاسع عشر، وثّق أحداث شهر رمضان في القاهرة قرب نهاية عهد عباس باشا الأول عام 1853. ويصف بدقة لحظات وطقوس السحور، التي كانت تبدأ بإطلاق المدفع، حيث كتب: «بعد نصف ساعة من منتصف الليل، يُطلق مدفع السحور لتنبيه المسلمين بأن عليهم الاستعداد لتناول وجبة السحور، التي تشبه وجبة الإفطار المبكرة. وبمجرد سماع صوت المدفع، يوقظني خادمي، إذا كنت نائمًا، ويضع أمامي ما تبقى من وجبة الإفطار المسائية».

مائدة رمضان والليلة المباركة 

في نظر المستشرقين، لم تكن مائدة رمضان تكتمل دون «فن صنع الكنافة»، الذي أذهل طريقة تحضيره علماء البعثة الفرنسية إلى مصر وسوريا بين عامي 1798 و1801. وقدم المهندس والفنان نيكولا-جاك كونتي رسمًا دقيقًا لورشة صانع الكنافة، بينما وصف الباحث إتيان-جان بودييه مهارة شيخ صانعي الكنافة وهو يسكب الخليط بحركة دائرية رشيقة من إناء مثقوب على صينية ساخنة، بحيث تنضج الخيوط وتنفصل في غضون وقت قصير. 

وصف المستشرق والمُعجمي البريطاني إدوارد لين الحشود التي تملأ المساجد الكبرى في القاهرة خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، عندما تبلغ الحماسة الروحية لهذا الشهر المبارك ذروتها. وفي مقال له في وصف لأخلاق وعادات المصريين المعاصرين، الذي نُشر عام 1836، يورد المؤلف الاعتقاد الشائع بأن ماء البحر يتحول إلى ماء عذب في تلك الليلة المباركة. وكتب أن المتقين كانوا يجلسون بتواضع، طالبين من الله أن يقبل منهم، «وأمامهم إناء من ماء البحر. وكانوا يتذوقونه من حين لآخر ليروا إن كان قد أصبح عذبًا، وإذا كان كذلك، كانوا يتأكدون من أن تلك الليلة هي ليلة القدر».

على مر القرون، تكشف هذه الروايات عن إيقاع مشترك يسود مدن العالم العربي خلال شهر رمضان. من أروقة مكة المضاءة بالفوانيس ودوائر التعلم في دمشق إلى مآذن وأسواق القاهرة، سجل المسافرون ليالٍ مليئة بالصلاة والتلاوة والكرم والترقب. ورغم أن لكل مدينة عاداتها الخاصة، إلا أن روح الشهر ظلت واضحة: وقت تظل فيه الشوارع مستيقظة حتى الفجر، وتمتلئ المساجد بالمصلين، وتتجه الحياة العادية للمدينة نحو العبادة.

الفئات: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *