على مدى ما يقرب من عقد من الزمن، عمل محمد بن سلمان على صقل صورته العامة. ففي الأماكن العامة، يظهر بمظهر المصلح: رؤية 2030, النساء خلف عجلة القيادة, إعادة فتح دور السينما, اتفاق تم التوصل إليه بوساطة صينية مع إيران. لكن في الخفاء، تقوم مملكته بأمر مختلف تمامًا. فهي تدعم الحرب في اليمن، وتتدخل في شؤون السودان، وتقوم بهدوء بإعادة تأهيل نفس الجيران الخليجيين المتطرفين والمثيرين للمشاكل الذين حاولت خنقهم في السابق، وتدفع بمخالب الوهابية وصندوق الاستثمار العام (PIF) الدينية والاقتصادية عميقاً في القرن الأفريقي. هاتان الصورتان لا تتعارضان، بل هما مجرد زاويتان مختلفتان لنفس الصورة.
على الرغم من أن سياسة محمد بن سلمان الخارجية تبدو متقلبة من الخارج، إلا أن هناك استراتيجية واضحة وراء مشروعه الاستعماري الجديد. ففي إطار هذا المشروع، لا ينمو النفوذ السعودي من خلال حل الأزمات، بل من خلال السيطرة عليها. فالاعتماد على الآخرين هو الهدف الذي تسعى إليه المملكة العربية السعودية الاستعمارية بقيادة محمد بن سلمان. ويبقى الجيران والشركاء المفترضون في حالة من التشرذم والإفلاس، وفي حاجة دائمة إلى الرياض للتوسط في الهدنة التالية.
اليمن هو المثال الأبرز. خذ على سبيل المثال عملية العاصفة الحاسمة التي تم الترويج لها في عام 2015 على أنها حملة سريعة لإعادة الحكومة المعترف بها وصد الحوثيين، كما قيل. ومع ذلك، بعد مرور عشر سنوات على اندلاع الحرب، اليمن هو أسوأ كارثة إنسانية على الأرض. فقد أصبح الحوثيون أكثر ترسخاً مما كانوا عليه في البداية، وتخلت الرياض عن كل مخرج جاد عُرض عليها، مثل الكويت، ستوكهولم، الـ هدنة عام 2022، كلما بدا أن تخفيف حدة التوتر قد يؤدي إلى إقامة دولة يمنية قادرة على إدارة شؤونها بنفسها، قامت المملكة العربية السعودية بتعزيز حدودها، وتهميش المجلس الانتقالي الجنوبي في اللحظة التي أصبح فيها المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) أكثر فعالية من أن يُمكن السيطرة عليه. إن وجود يمن يتمتع بالحكم الذاتي على الحدود الجنوبية سيشكل مشكلة. أما يمن ممزق يحتاج إلى أموال دول الخليج لإعادة إعماره وإلى وسطاء خليجيين لوقف القتل الداخلي، فهو، من وجهة نظر الرياض، مفيد للغاية.
ويسير السودان على نفس المنوال، ولكن بأدوات مختلفة. بعد سقط البشير في عام 2019، تعهدت المملكة العربية السعودية بتقديم مليارات الدولارات للحكومة الانتقالية آنذاك، كقرض وليس كمنحة. وقد استُخدمت أموال الصندوق السيادي السعودي والأموال الخاصة المرتبطة بالرياض شراء مئات الهكتارات من الأراضي الخصبة على طول نهر النيل، مما حوّل السودان إلى مخزن غذائي خارجي لمدن الخليج. وقد قوّضت الرياض والقاهرة، بالتنسيق فيما بينهما، الانفتاح المدني القصير الأمد الذي شهدته عام 2019؛ وعندما تحرك الجنرالات في عام 2021، كان الموقف الرسمي للرياض هو «ضبط النفس». عندما اندلعت الحرب في عام 2023، عادت السعودية لتظهر كوسيط محايد في جدة. ومن المضحك كيف تُستخدم كلمة «محايد» في هذا السياق، حيث كانت للسعودية علاقات مالية تربطها بأطراف متعددة في الصراع. وقبل كل ذلك بوقت طويل، المساجد والمدارس التي تمولها الجماعة الوهابية كان قد أمهد الطريق لسنوات، مزيحاً التقاليد الصوفية المتجذرة في السودان، إلى جانب ملايين الدولارات من الأموال أو شحنات الأسلحة. وكان كل ذلك يُصوَّر على أنه تضامن إسلامي.
وقد حظي الخليج نفسه بنفس المعاملة على نطاق مصغر. ففي عام 2017، قادت المملكة العربية السعودية الحصار الذي استمر أربع سنوات على قطر وقضى الوقت في التنديد بعلاقات الدوحة بجماعة الإخوان المسلمين وحماس وإيران باعتبارها تهديدات وجودية. وتضمنت المطالب الثلاثة عشر الشهيرة إغلاق قناة «الجزيرة»، وتجميد العلاقات مع طهران، وإغلاق القاعدة التركية. وفي عام 2018، أدرج محمد بن سلمان جماعة الإخوان ضمن «مثلث الشر» إلى جانب إيران والمتطرفين. ثم في الأولى في يناير 2021 انتهى الأمر برمته. ولم تتنازل قطر عن أي شيء. احتفظت شخصيات من حركة حماس بفيلاتها في الدوحة. وظلت قنوات الاتصال بين قطر وطهران مفتوحة. واليوم، توقع الرياض اتفاقيات للسكك الحديدية فائقة السرعة واتفاقيات تجارية ومذكرات تفاهم في مجال السياحة مع الدوحة، وتقاتل إلى جانب حزب الإصلاح اليمني — التابع لجماعة الإخوان المسلمين — ضد الحوثيين. ولو كان عام 2017 قد تمحور حول المبادئ، لكان عام 2021 أمراً لا يمكن تفسيره. ومع ذلك، عندما يُنظر إلى إعلان العلا لعام 2021 على حقيقته، أي أنه وسيلة للضغط والسيطرة، فإنه يصبح منطقياً.
في جميع أنحاء القرن الأفريقي، لم يعد الإطار الذي أنشأته المملكة العربية السعودية وما زالت تعمل على إنشائه يتسم بالكتمان. فعلى سبيل المثال، من الواضح تمامًا أن «رؤية 2030» تتناول مخاوف المملكة العربية السعودية بشأن المياه, الاعتماد على استيراد الأغذية، أو حجم رأس المال المعرض للمخاطر في المشاريع الضخمة المطلة على البحر الأحمر. فقد حولت المملكة العربية السعودية كامل السواحل والمنطقة الداخلية لأفريقيا إلى حدود استراتيجية سعودية. وقد تم ضخ مليارات الدولارات في الموانئ والأراضي الزراعية والخدمات اللوجستية والمناجم واتفاقيات التعاون العسكري، من السودان وإريتريا وصولاً إلى الصومال وإثيوبيا. عام 2018 اتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا تم تنفيذ المشروع جزئياً لأن الأموال السعودية جعلت الأمر مجزياً للجميع، ولأنه فتح الجانب الأفريقي من البحر الأحمر أمام الرياض.
والعامل الموحِّد لكل هذا هو الوهابية — ليس باعتبارها عقيدة بقدر ما هي الأساس الذي سمح للمملكة العربية السعودية بالتسلل إلى كل هذه البلدان المختلفة. ففي الفترة ما بين عامي 1982 و2005، ضخت المملكة العربية السعودية ما بين 75 و100 مليار دولار أمريكي في أكثر من 1500 مسجد، و200 كلية إسلامية، و210 مركزًا، و2000 مدرسة، من منطقة البلقان وصولاً إلى بنغلاديش. ولم يكن التأثير هو الاستبدال الديني. فقد تم تدنيس الأضرحة في الصومال واستبدال الأئمة. وتم إفراغ شبكات الصوفية في السودان من الداخل. وفي شمال اليمن، مدرسة دار الحديث في الدمام أمضوا عقوداً في إضفاء الطابع الوهابي على المشهد، ومهدوا الطريق للحرب التي ستتدخل الرياض لاحقاً لإدارتها. وقد أشار تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي عام 2013 إلى الوهابية هي المصدر العالمي الرئيسي للأيديولوجية الإرهابية. ولم يتم تفكيك تلك البنية التحتية عندما أعلن محمد بن سلمان تحول مساره نحو «الإسلام المعتدل».
وهذا هو الجزء الذي يستحق لقب «الاستعماري». استخرجت الإمبراطوريات الأوروبية الأراضي والعمالة بالقوة والإدارة. أما مشروع محمد بن سلمان فيستخرج طريقة تفكير الناس العاديين، ويحدد كيفية عمل حكوماتهم. فالمساجد تصنع التبعية، وكذلك صفقات الصناديق السيادية، وامتيازات الموانئ، وعقود الأسلحة، ودبلوماسية وقف إطلاق النار، والمنح الدراسية الدينية. أرادت الإمبراطوريات القديمة تهدئة أطرافها. أما محمد بن سلمان فيريد أن تكون أطرافه في أزمة دائمة خاضعة لإدارته، لأن المنطقة التي تحتاج دائماً إلى وسيط تحتاج إليه هو دائماً.
وطالما استمرت الحكومات الغربية في تقييم الأداء بدلاً من السياسة، فإن الثمن سيدفعه المواطنون والشعب اليمني والسوداني والصومالي والمسلمون عموماً.












اترك تعليقاً