الاقتصاد البحريني تحت الحصار: الهشاشة المالية في مواجهة الحرب الإقليمية

دخلت البحرين عام 2026 وهي تحمل عبء ديون قدره صندوق النقد الدولي بنحو 133 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع عجز مالي يبلغ حوالي 11 في المائة من الناتج القومي. لطالما روجت المملكة لنفسها باعتبارها الاقتصاد الأكثر تنوعاً في الخليج، وكانت الأرقام تدعم هذا الادعاء جزئياً: فقد شكل القطاع غير النفطي ما يقرب من 85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، مدفوعاً بالخدمات المالية وإنتاج الألومنيوم والتصنيع والسياحة. ومع ذلك، ظلت الإيرادات الحكومية تعتمد بشكل كبير على الهيدروكربونات، التي لا تزال تولد حوالي 75 في المائة من إيرادات الميزانية. وكان هذا التفاوت الهيكلي بين تكوين الاقتصاد وقاعدته المالية هو نقطة الضعف المميزة للبحرين لسنوات. وقد أدى اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير إلى تحويل نقطة الضعف هذه إلى أزمة حقيقية.

الزخم الذي سبق الحرب

قبل اندلاع الصراع، كان المسار الاقتصادي للبحرين مشجعاً. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.7 في المائة على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2025، حيث سجل النشاط غير النفطي نمواً بنسبة 2.2 في المائة، بينما ساهم القطاع النفطي بزيادة قدرها 5.3 في المائة. تقييم صندوق النقد الدولي لعام 2025 بموجب المادة الرابعة ومن المتوقع أن يبلغ معدل النمو السنوي 3.5 في المائة. وارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 17.1 مليار دينار بحريني. وظل معدل التضخم ضئيلاً عند 0.1 في المائة. وشكل الانتهاء من مشروع تحديث شركة بابكو، الذي افتتحه الملك حمد بن عيسى آل خليفة في أواخر عام 2024، أكبر استثمار استراتيجي للمملكة في مجال الطاقة، بهدف تعزيز طاقة التكرير ووضع شركة بابكو للطاقة في صميم الاستراتيجية الصناعية للعقد القادم.

أسفرت جهود الإصلاح المالي منذ عام 2018 عن نتائج حقيقية، وإن كانت غير كافية. وفي أعقاب حزمة دعم بقيمة 10 مليارات دولار من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، أدخلت البحرين إصلاحات في ضريبة القيمة المضافة والرسوم، مما أدى إلى زيادة الإيرادات غير النفطية بنسبة 147 في المائة وفقاً للتقارير. كما أدى برنامج التقاعد الطوعي إلى خفض القوة العاملة في القطاع العام بنسبة 18 في المائة. وأوصت مشاورات صندوق النقد الدولي لعام 2025 باتخاذ مزيد من التدابير، بما في ذلك فرض ضريبة دخل عامة على الشركات، وتخفيضات في إعانات الطاقة بشكل عام، وتحويلات اجتماعية موجهة. وقدمت «الرؤية الاقتصادية 2050» التي أطلقتها البحرين مؤخراً الإطار الاستراتيجي للتنويع المستمر.

تأثير الحرب

أثرت الحملة الانتقامية الإيرانية التي أعقبت «عملية الغضب الملحمي» على أسس الاقتصاد البحريني. وأعلنت شركة النفط الحكومية ”بكوكو“ حالة القوة القاهرة بعد أن ألحقت ضربات الصواريخ والطائرات المسيرة أضراراً بمجمع مصافيها. وأكدت شركة ”ألومنيوم البحرين“، وهي واحدة من أهم أرباب العمل والمصدرين غير النفطيين في البلاد، أن منشآتها تعرضت للقصف، مع الإبلاغ عن وقوع إصابات. وأصابت طائرة مسيرة محطة لتحلية المياه، وهو هجوم ينطوي على تداعيات خطيرة بالنسبة لبلد يفتقر إلى مصادر المياه العذبة الطبيعية. وعلى مدار شهر مارس، أعلن الجيش البحريني عن اعتراض 174 صاروخاً و391 طائرة مسيرة.

وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تفاقم الأضرار. وعلى عكس المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لا تمتلك البحرين أي بنية تحتية بديلة لخطوط الأنابيب لتجاوز المضيق. وقد توقفت صادرات الطاقة فعلياً. كما انهار قطاع السياحة، الذي كان يساهم بشكل متزايد في الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن أدى إغلاق المجال الجوي في المنطقة وإلغاء الرحلات الجوية إلى قطع صلات المملكة بالأسواق الدولية. وتم إلغاء سباق جائزة البحرين الكبرى لعام 2026. تقرير البنك الدولي عن الأوضاع الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت التوقعات تشير إلى نمو بنسبة 3.2 في المائة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2025؛ وقد أصبحت تلك التوقعات الآن غير صالحة.

الديون والتبعية وميثاق الخليج

ارتفع سعر النفط الذي يحقق التعادل المالي للبحرين إلى حوالي 125 دولاراً للبرميل، وهو رقم فقد معناه في ظل عدم قدرة البلاد على تصدير النفط على الإطلاق. في نوفمبر 2024، خفضت وكالة ستاندرد آند بورز (S&P Global) تصنيفها الائتماني السيادي، مشيرة إلى استمرار ارتفاع الديون والعجز الكبير. إن اعتماد المملكة على الدعم المالي من جيرانها الأكثر ثراءً في الخليج أمر معروف، لكن هؤلاء الجيران يواجهون الآن مشاكلهم الخاصة المتمثلة في البنية التحتية المتضررة وفقدان عائدات الصادرات. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانوا سيحتفظون بالرغبة أو القدرة على تقديم المزيد من الدعم. تقييم مخاطر البلدان من أليانز تريد وكان قد حذر قبل اندلاع الصراع من أن مسار الديون في البحرين يبدو غير قابل للاستمرار دون إجراء عملية توحيد للديون. وقد أدت الحرب إلى تسريع هذا الجدول الزمني بشكل كبير.

القطاع المالي تحت الضغط

يواجه الدور الذي لعبته البحرين منذ أمد بعيد باعتبارها مركزًا مصرفيًا في الخليج اختبارًا صعبًا لم يسبق له مثيل. فقد أدى إغلاق المجال الجوي، وتضرر البنية التحتية للاتصالات، وتزايد مخاطر البلد إلى تعطيل التدفقات المالية عبر الحدود. كما تعرض مركز بيانات «أمازون ويب سيرفيسز» في البحرين، الذي يُعد حجر الزاوية في استراتيجية الاقتصاد الرقمي للمملكة، لأضرار جراء الحطام المتطاير من الصواريخ التي تم اعتراضها، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي. وبالنسبة لمركز مالي تعتمد ميزته التنافسية على الاتصال والموثوقية والقدرة على التنبؤ باللوائح التنظيمية، فإن هذه الاضطرابات تنطوي على عواقب تمتد إلى ما بعد فترة النزاع نفسه. ومع وقد وثق معهد استقرار منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد كشفت الحملة الإيرانية عن الهشاشة الكامنة وراء صورة التقدم الاقتصادي السريع التي تظهرها دول الخليج.

التوقعات

يعتمد مستقبل البحرين الاقتصادي الآن على متغيرات تقع تمامًا خارج سيطرة المنامة: مدة الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، واستعداد حلفاء الخليج لتقديم دعم مالي متجدد. وحتى في أفضل السيناريوهات التي تنطوي على وقف سريع لإطلاق النار، فإن إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المادية وثقة المستثمرين والنظرة الإقليمية سيستغرق سنوات. لقد أظهرت الحرب أن تنويع الإنتاج وحده لا يمكن أن يحمي دولة صغيرة من صراع القوى العظمى الدائر على عتبة بابها. وسيتعين أن تقترن أجندة الإصلاح المالي في البحرين بإعادة تقييم جذرية للبنية الأمنية للمملكة ونهجها تجاه المرونة الاقتصادية. ولن تتشكل المرحلة التالية من التنمية بقدر كبير على أساس مخططات «رؤية 2050»، بل بقدر أكبر على أساس الدروس القاسية المستفادة من عام 2026.

الفئات: , , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *