دخلت شمال إفريقيا عام 2026 بزخم اقتصادي متواضع. فقد بلغ معدل النمو الإجمالي للناتج المحلي الإجمالي في المغرب ومصر والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا مجتمعة حوالي 4 في المائة في عام 2025، متفوقًا بذلك على كل من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع. وكانت مصر والمغرب هما المحركان الرئيسيان لهذا التوسع، حيث تجاوزت صادرات المغرب من السيارات 14 مليار دولار سنويًا، وجذبت مصر استثمارات أجنبية متجددة في أعقاب سلسلة من الإصلاحات الهيكلية المدعومة من صندوق النقد الدولي. وتوقع صندوق النقد الدولي أن يتسارع نمو المنطقة بشكل أكبر في عام 2026. ثم، في 28 فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران، وبدأت الافتراضات الاقتصادية التي كانت تدعم مسار شمال إفريقيا في الانهيار.
مصر: الاقتصاد الأكثر تعرضاً للمخاطر
تتحمل مصر العبء الاقتصادي الأثقل مقارنة بأي دولة أخرى في شمال إفريقيا. فهذا البلد مستورد صافٍ للنفط، ويعتمد على الواردات لتوفير ما يقرب من ثلث إمداداته من الغاز الطبيعي، كما يعتمد على قناة السويس كمصدر حيوي للعملة الأجنبية. وقد أثرت الحرب على هذه النقاط الثلاث الحساسة في آن واحد. فقد أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز الطبيعي من حقولها في شرق البحر الأبيض المتوسط فور اندلاع النزاع. وارتفعت أسعار النفط العالمية إلى ما يزيد عن 120 دولاراً للبرميل عقب إغلاق إيران لمضيق هرمز. وقامت شركات الشحن الكبرى، بما في ذلك ميرسك وCMA CGM، بتحويل مسار حركة الملاحة حول رأس الرجاء الصالح، مما أدى إلى استنزاف عائدات القناة التي عملت القاهرة على تحقيقها على مدى عامين.
وصف الرئيس عبد الفتاح السيسي الوضع الاقتصادي بأنه حالة شبه طوارئ، مشيرةً إلى انخفاض إجمالي قدره 10 مليارات دولار في عائدات قناة السويس منذ عام 2020. ورفعت الحكومة أسعار الوقود بنسبة 17 في المائة في المتوسط في أوائل مارس، وهي خطوة حساسة سياسياً في بلد يعيش فيه ثلث السكان تحت خط الفقر. وقفز معدل التضخم من 10 في المائة في يناير إلى 11.5 في المائة في فبراير. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت أسعار اللحوم بنسبة 25 في المائة، بينما ارتفعت أسعار الفواكه والخضروات بنسبة تتراوح بين 15 و30 في المائة في أسواق القاهرة. وسحب المستثمرون الأجانب حوالي 1.12 مليار دولار من أدوات الدين الحكومية، مما دفع الجنيه المصري نحو 48 مقابل الدولار الأمريكي.
المغرب: مرونة نسبية، ونقاط ضعف حقيقية
يدخل المغرب هذه الأزمة من موقع هيكلي أقوى. فقد أدت عقود من الإصلاحات التدريجية إلى دمج البلاد في سلاسل القيمة الصناعية الأوروبية، لا سيما في قطاعي السيارات والطيران. وتُعد طاقة الطاقة المتجددة في المغرب من بين الأكبر في أفريقيا، كما جذبت المناطق الصناعية المرتبطة بميناء طنجة المتوسط استثمارات أجنبية مباشرة مستمرة. ويعكس النمو الذي يقترب من 4 في المائة نظامًا يراكم المكاسب بثبات بدلاً من الاعتماد على دورات أسعار السلع الأساسية.
ومع ذلك، فإن المغرب ليس بمنأى عن الصدمة الحالية. فهذا البلد يستورد معظم احتياجاته من الطاقة، ويؤثر الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار المستهلكين. وقد أصدرت مجموعة OCP، عملاق الفوسفات المملوك للدولة في المغرب، سندات في شهر مارس لتمويل التوسع، لكن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى زيادة تكاليف مدخلات إنتاج الأسمدة، وهو القطاع الذي تعتمد عليه هوامش أرباح OCP. المنتدى الاقتصادي العالمي وحذر من أن الدول الأفريقية الأقل ثراءً التي تستورد الوقود والغذاء هي الأكثر عرضة لتأثيرات هذه الصدمة، والتي تتجلى في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، والضغوط المالية، وزيادة مخاطر الاضطرابات الاجتماعية.
الجزائر وليبيا: فخ الهيدروكربونات
لا تزال الجزائر وليبيا تعتمدان هيكلياً على عائدات النفط والغاز، وهي نقطة ضعف تؤثر سلباً في اتجاهين خلال أزمة الإمدادات. من الناحية النظرية، من المفترض أن يستفيد المصدرون من ارتفاع الأسعار العالمية. لكن في الواقع، تسبب الاضطراب في طرق الشحن في الخليج في تقلبات تقوض التخطيط طويل الأجل، في حين لا يمتلك أي من البلدين القدرة المؤسسية لتحويل هذه المكاسب غير المتوقعة إلى نمو مستدام. ولا يزال الاقتصاد الجزائري مغلقاً إلى حد كبير أمام الاستثمار الأجنبي، حيث تعيق الحواجز البيروقراطية نشاط القطاع الخاص اللازم لاستيعاب أعداد الشباب الكبيرة. أما ليبيا، التي لا تزال منقسمة بين إدارتين متنافستين، فلا تستطيع تنسيق استجابة مالية موحدة لأي صدمة خارجية.
أما تونس، فالأمر يختلف تمامًا. فقد تجاوز معدل النمو 1 في المائة بالكاد، ولا تزال الدخول الحقيقية في انخفاض، ولم تقم الحكومة بتنفيذ الإصلاحات التي قد تؤدي إلى الحصول على دعم صندوق النقد الدولي. وقد رفعت وكالة موديز تصنيف الديون السيادية لتونس في أوائل عام 2025، لكن هذه مكاسب محدودة في ظل قيود مالية وسياسية شديدة.
منطقة تتفكك
لقد أدت الحرب مع إيران إلى تسريع اتجاه الانقسام الذي كان واضحاً بالفعل قبل إطلاق الصاروخ الأول. فشمال أفريقيا تنقسم إلى اقتصادات قادرة على الإصلاح وأخرى تعتمد على الريع. فقد نجحت مصر والمغرب، على الرغم من نقاط ضعفهما، في بناء قدرات مؤسسية وتنويع قواعد تصديرهما وجذب التمويل الخارجي. أما الجزائر وليبيا وتونس وموريتانيا فلم تفعل ذلك. مجلس الأطلسي وأشار إلى أن الوضع الخارجي لمصر يرتبط بعدم الاستقرار الإقليمي، وأن الصدمات المتزامنة التي تطال التحويلات المالية والسياحة وأسعار النفط يمكن أن تخلق ضغوطًا هائلة. وتنطبق هذه الملاحظة، بدرجات متفاوتة، على المنطقة الفرعية بأكملها.
كان النموذج الاقتصادي لشمال أفريقيا دائمًا أضعف مما توحي به أرقام النمو الرئيسية. وقد أكد الصراع الإيراني مدى السرعة التي يمكن أن تؤدي بها الصدمات الخارجية إلى تآكل الأسس التي يقوم عليها هذا التقدم. فعندما ترتفع أسعار النفط، وتضعف العملات، وتُغلق طرق الشحن، تتسع الفجوة بين الأداء الاقتصادي الكلي والواقع الاقتصادي المعاش بسرعة. وستحدد الخيارات التي ستُتخذ في القاهرة والرباط والجزائر وتونس وطرابلس في الأشهر المقبلة ما إذا كانت هذه الأزمة ستصبح اضطراباً مؤقتاً أم بداية لتفكك هيكلي أعمق.













اترك تعليقاً