عندما أكد سهيل المزروعي يوم الثلاثاء أن الإمارات العربية المتحدة ستنسحب من منظمة أوبك و«أوبك+» في الأول من مايو 2026، وصلت الرسالة إلى الرياض بقوة الباب المغلق. بعد ما يقرب من ستة عقود داخل الكارتل، قررت أبوظبي أن مصلحتها الوطنية تخدمها بشكل أفضل خارج الخيمة. إنها أشد توبيخ علني وجهته عاصمة خليجية إلى آل سعود منذ جيل. وأفاد المزروعي لرويترز أن الإمارات لم تستشر السعودية قبل الإعلان عن ذلك. لا يخرج الأعضاء المؤسسون لمنظمة أوبك من تحالف دام ستين عاماً دون تحذير الشريك الأكبر ما لم يكونوا ينوون إرسال إشارة.
معركة الحصص التي أشعلتها المملكة العربية السعودية
تعود جذور هذا الانقسام إلى ما هو أبعد من مسألة النفط. كان من المفترض أن تكون حرب اليمن ذروة التحالف الخليجي، حيث قاتلت الرياض وأبو ظبي جنبًا إلى جنب ضد الحوثيين منذ عام 2015. لكنها، بدلاً من ذلك، علمت الاستراتيجيين الإماراتيين أنهم يتعاملون مع شريك رئيسي لا يتورع عن التضحية بدمائهم وسمعتهم من أجل قرارات أحادية الجانب تركت الإمارات في موقف ضعيف. سحبت أبوظبي قواتها البرية في عام 2019، وخلصت إلى أن الحملة كانت تُدار من أجل هيبة السعودية وليس من أجل أمن الخليج. ولم تعد الثقة أبداً.
ومنذ ذلك الحين، ظل التوتر الهيكلي في قطاع النفط يتفاقم. في إطار اتفاق أوبك+، تم تحديد حصة الإمارات العربية المتحدة بنحو ثلاثة ملايين برميل يومياً، في حين أن طاقتها الإنتاجية تتجاوز أربعة ملايين برميل. وتسعى شركة أدنوك إلى تحقيق هدف إنتاج خمسة ملايين برميل، الذي تم تقديمه إلى عام 2027. ولا يمكن أن تطلب من أحد أكثر المنتجين طموحاً في مجال التحديث في العالم أن يبقي ما يقرب من ربع طاقته الإنتاجية معطلة حتى تتمكن المملكة العربية السعودية من الدفاع عن سعر التعادل المالي المتوافق مع رؤية 2030.
اندلعت أول أزمة علنية في يوليو 2021، عندما رفضت أبوظبي تمديد التخفيضات التي صممتها السعودية دون تعديل حصتها. وقد ساهمت تنازلات بمقدار 500 ألف برميل في تهدئة الخلاف مؤقتًا، لكن الخلافات عادت إلى الظهور في عام 2022 ولم تُحل أبدًا. وفقًا لتحليل نشرته الصحيفة الوطنية وتشير الملاحظات إلى أن إنتاج أبوظبي كان أقل بنحو 30 في المائة من طاقتها الإنتاجية. وقد أدار الأمير عبد العزيز بن سلمان الكارتل كعملية للدفاع عن الأسعار مصممة خصيصاً لتناسب الإنفاق السعودي، معاملة المنتجين الحلفاء كأدوات وليس كشركاء.
كانت الحرب مع إيران القشة التي قصمت ظهر البعير
لم تكن الحرب مع إيران هي السبب المباشر بقدر ما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير الذي كان مثقلًا بالأعباء على مدى عقد من الزمن. فمع قصف طهران المكثف للبنية التحتية الإماراتية، وتسبب الحصار المفروض على مضيق هرمز في انخفاض إنتاج الإمارات من 3.4 مليون برميل يوميًا إلى 1.9 مليون برميل في مارس، بحثت أبوظبي عن حلفائها لتجد الرياض صامتة إلى حد كبير. كان هذا النمط مألوفاً من اليمن ومن كل صراع على الحصص منذ عام 2021. استغل أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الشيخ محمد، منتدى المؤثرين الخليجيين عشية إعلان منظمة أوبك ليصف رد فعل مجلس التعاون الخليجي بأنه من أضعف ردود الفعل في التاريخ. الجزيرة وقد تم الإبلاغ عن انسحاب أوبك في ظل ذلك السياق الدبلوماسي، وهذا التزامن ليس من قبيل الصدفة.
ما الذي تكسبه أبوظبي
تعد المزايا الاستراتيجية كبيرة. وبعيدًا عن حصص أوبك+، يمكن لأبو ظبي الاستفادة ماليًا من الطاقة الإنتاجية الفائضة التي اضطرت إلى تجميدها، والتي تبلغ قرابة مليوني برميل يوميًا، بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز. ويمكن للإمارات العربية المتحدة توقيع عقود توريد طويلة الأجل مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية بشروط تتناسب مع متطلباتها المالية. ويقع سعر التعادل لديها أقل بكثير من سعر التعادل في المملكة العربية السعودية، مما يعني أن أبوظبي يمكنها الضخ بشكل مربح عند مستويات أسعار من شأنها أن تضع ضغوطاً على الميزانية السعودية. وإذا ردت الرياض بحرب أسعار، فإن الإمارات العربية المتحدة في وضع أفضل لاستيعاب الألم مقارنة بالمملكة التي ستلحقه.
كما ربطت منظمة أوبك الإمارات العربية المتحدة بكتلة تضم إيران وتدور في فلك المصالح الروسية والصينية، وهو وضع غير ملائم لدولة أقامت شراكة في مجال الطاقة النظيفة بقيمة 100 مليار دولار مع واشنطن ووقعت على اتفاقيات أبراهام. ويؤدي الانسحاب من هذه الكتلة إلى إزالة نقطة خلاف مع الولايات المتحدة وتعزيز مكانة أبوظبي باعتبارها الشريك الخليجي الموثوق المفضل.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للمنطقة
فقدت منظمة أوبك ثالث أكبر منتج لها في وقت تبلغ فيه الطاقة الاحتياطية لدول الخليج أدنى مستوياتها التاريخية. وقد أصبحت قدرة الرياض على تحديد الأسعار، التي أضعفتها بالفعل صناعة النفط الصخري الأمريكية ومحور الطاقة الروسي-الصيني، تواجه الآن منافساً خليجياً قوياً يعمل خارج إطار قواعدها. وسيتابع العراق والكويت والجزائر الوضع عن كثب.
بالنسبة لمستهلكي النفط من مانيلا إلى مانشستر، فإن تراجع نفوذ الكارتل هو خبر سار طال انتظاره. فهدف منظمة أوبك هو تقييد العرض لرفع الأسعار، وهي آلية كلفت الأسر تريليونات الدولارات. إن ضخ الإمارات العربية المتحدة دون قيود وبقرب من طاقتها الإنتاجية يضيف ما يقرب من مليوني برميل إضافي إلى الأسواق العالمية، مما يمارس ضغطاً هبوطياً على أسعار النفط الخام، وبالتالي على أسعار البنزين وفواتير الشحن. وإذا حذت العراق أو الكويت حذو أبو ظبي، فإن علاوة الكارتل المضمنة في أسعار الطاقة العالمية ستبدأ في التلاشي بشكل جدي.
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن الضرر يمس سمعتها بقدر ما يمس مصالحها التجارية. فالمملكة تضع نفسها في موقع القائد الطبيعي للعالم العربي. وهي اليوم شريك رئيسي، لكن جارها الأقرب توصل بهدوء إلى أن عضوية «ناديها» تكلف أكثر مما تجلب من فائدة. وقد أقامت الرياض نظاماً مصمماً لربط الإمارات العربية المتحدة بأولوياتها. لكن أبو ظبي أثبتت للتو أن هذا الارتباط كان دائماً اختيارياً.












اترك تعليقاً