إهدار 78 مليار دولار، واضطرار المملكة العربية السعودية إلى التوجه إلى إسلام أباد

في شهر مايو، بدأت طائرات C-130 الباكستانية بالهبوط في قواعد جوية سعودية محملة بأجزاء من أنظمة الدفاع الجوي HQ-9 الصينية الصنع. ثم سرعان ما تبع ذلك وصول ثمانية آلاف جندي باكستاني، إلى جانب ما يقارب ستة عشر طائرة مقاتلة من طراز JF-17 وسريتين من الطائرات بدون طيار. وقد تم تأكيد هذا الانتشار من قبل مسؤولون أمنيون باكستانيون، وُصفت بأنها «قوة كبيرة قادرة على القتال، تهدف إلى دعم الجيش السعودي في حال تعرضت المملكة لمزيد من الهجمات». إلا أن هذه الصياغة تنطوي على قدر كبير من السخرية، حيث إن المملكة كانت قد تعرضت بالفعل لهجوم. فقد تعرضت المملكة العربية السعودية بالفعل للضرب. فقد أصابت الصواريخ الإيرانية البنية التحتية النفطية والمواقع العسكرية في أنحاء البلاد خلال الأسابيع التي أعقبت تصعيد 28 فبراير. ولم يكن رد فعل محمد بن سلمان هو تعبئة سلاح الجو التابع له، بل قرر بدلاً من ذلك اللجوء إلى 2025: اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وطلب من شخص آخر أن يقوم بهذه المهمة.

خصصت المملكة العربية السعودية 78 مليار دولار لميزانية الدفاع في عام 2025. ويجعل هذا الرقم المملكة العربية السعودية خامس أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري، مباشرةً بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند. وعلى مدار العقد الماضي، استوردت الرياض ما يقارب ثمانين في المائة من أسلحتها من الولايات المتحدة، حيث أنفقت مليارات الدولارات على طائرات «إف-15»، وبطاريات «باتريوت»، وأنظمة «ثاد»، والذخائر الموجهة بدقة، من بين أنظمة متطورة أخرى. أشرف محمد بن سلمان شخصياً على صفقة الأسلحة الضخمة التي أُبرمت مع واشنطن عام 2017، حيث وقف إلى جانب ترامب أمام الكاميرات، وأُعلن عن إنفاق 110 مليارات دولار. وتقف الطائرات حالياً على مدرج قاعدة الملك خالد الجوية وقاعدة الملك فهد الجوية، ولا تُستخدم في عمليات قتالية أو دفاعية.

ومع ذلك، عندما حان الوقت لاختبار كل تلك المعدات العسكرية، فشلت المملكة وقواتها المسلحة في الارتقاء إلى مستوى الحدث والدفاع عن شعبها. وبدلاً من ذلك، اضطرت إلى الاتصال بإسلام أباد لطلب المساعدة العاجلة، وتعاملت معها عملياً كأنها مرتزقة.

السؤال الذي يدور في عواصم دول الخليج، والأهم من ذلك داخل المملكة العربية السعودية نفسها، بسيط للغاية: لماذا تنفق المملكة 78 مليار دولار سنويًّا على كل تلك المعدات الأمريكية وبرامج التدريب التي تقودها الولايات المتحدة والمستشارين المتمركزين في القواعد السعودية، إذا كان محمد بن سلمان والمملكة لن يستخدموها في وقت الحاجة؟

تكمن الإجابة على هذا السؤال في كيفية تشكيل هيكل الجيش السعودي، وهذا الأمر ليس بجديد. فقوات المملكة المسلحة لم تُصمم أبدًا في المقام الأول لخوض الحروب، بل صُممت لمنع الانقلابات.

الـ الحرس الوطني السعودي، والمعروفة أيضًا باسم «السانغ»، هي منظمة عسكرية مستقلة عن القوات المسلحة النظامية، وتخضع مباشرةً وللملك وحده، وليس لوزارة الدفاع (للإشارة، فإن وزير الدفاع في المملكة العربية السعودية يخضع لقيادة وإشراف محمد بن سلمان). وتُشكل صفوفها من قبائل النجد التي لطالما كانت موالية لآل سعود، ويتم تجنيد أفرادها خصيصًا لحماية النظام. أما سلك الضباط النظامي، فيتم التي كانت تخضع تاريخياً لهيمنة طبقة النبلاء في نجد، حيث لا تخضع الترقيات للكفاءة التشغيلية بقدر ما تخضع للانتماء القبلي والقرب من العائلة المالكة. وقد أشار محللون عسكريون أمريكيون في مناسبات عديدة إلى أن الفصائل القبلية داخل الجيش السعودي ”لا يعملون جنبًا إلى جنب بشكل جيد، ولا يثقون ببعضهم البعض، وهذا سيؤثر سلبًا على شراسة الوحدة القتالية.“

وقد أثبت اليمن ذلك. فعندما شن محمد بن سلمان حملته الجوية في عام 2015، كان للقوات الجوية الملكية السعودية، على الرغم من تمتعها بتفوق جوي مطلق، وطائرات أمريكية الصنع، وذخائر موجهة بدقة ولم تتمكن من تحقيق أهدافها ولا من احترام القيود التي يفرضها القانون الدولي للحرب على استهداف المدنيين. قام الطيارون بقصف الأهداف من ارتفاعات شاهقة لتفادي نيران المدافع الأرضية، مما أدى إلى عدم دقة كارثية. وأشهر هذه الحوادث هو قصف الطيارين السعوديين لجنازة في صنعاء، مما أسفر عن مقتل أكثر من 140 شخصًا، وقاموا بقصف مقاتليهم المتحالفين مرتين في أسبوع واحد. ثم حاول سلاح الجو السعودي شراء مجموعات «JDAM» لتحويل قنابله غير الموجهة إلى أسلحة موجهة، وهو ما يُعد في حد ذاته اعترافًا بأن طياريه لم يتمكنوا من إصابة الأهداف بشكل موثوق. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه العمليات لم تكن عمليات دفاع جوي معقدة، كما أنها لم تُنفَّذ في بيئة تعرض فيها الطيارون للخطر. لم يكن لدى الحوثيين سلاح جوي. ومع ذلك، فإن القوات الجوية السعودية، التي تُعدّ واجهة الإنفاق العسكري لمحمد بن سلمان، أدت أداءً يشبه قوة اشترت معدات لمجرد أنها تبدو جميلة وأرادت التباهي بمظهرها، دون أن تنوي أبدًا استخدامها بجدية.

والآن، لنضع هذه المؤسسة نفسها في مواجهة إيران، وهي دولة تمتلك قدرات في مجال الصواريخ الباليستية، ودفاعات جوية متعددة الطبقات، وقادة متمرسين في القتال من سوريا والعراق ولبنان. إن الفارق بين الجاهزية العملياتية الفعلية للقوات الجوية السعودية والتهديد الذي تواجهه ليس مجرد فجوة، بل هو وادٍ عميق. طائرات «JF-17» الباكستانية ليست طائرات متفوقة، لكنها تأتي مع طيارين باكستانيين يتمتعون بخبرة قتالية وانضباط مؤسسي وثقافة عسكرية تعتمد على الكفاءة بدلاً من النسب. اتصل محمد بن سلمان بإسلام أباد لأن باكستان لا تمتلك طيارين أفضل فحسب، بل إنهم يتمتعون أيضاً بخبرة قتالية.

ثم هناك فضيحة اليمن. وتشير الشائعات إلى أن محمد بن سلمان كان قلقًا للغاية بشأن اليمنيين، لدرجة أنه قرر أن من الأفضل رشوتهم بدلًا من محاربتهم أو أن يكون تحت رحمة هجماتهم.

منذ عام 2023، انتشرت تقارير تفيد بأن المملكة العربية السعودية، في إطار اتفاق «خريطة طريق» تم التوصل إليه بوساطة عمانية مع الحوثيين، قد كانت تحويل عشرات الملايين من الدولارات كل بضعة أشهر إلى الحوثيين عبر البنك المركزي اليمني. والتزمت الرياض بتغطية رواتب الموظفين المدنيين في جميع مناطق اليمن بمعدل ما يصل إلى مليار دولار سنويًّا. في فبراير 2026، قبل أسابيع من استهداف الصواريخ الإيرانية للأراضي السعودية، أعلن محمد بن سلمان عن حزمة مساعدات بقيمة 346.6 مليون دولار بالنسبة لليمن. ومن المرجح أن يتجاوز إجمالي الإنفاق السعودي الرامي إلى تهدئة الحوثيين منذ بدء تنفيذ «خريطة الطريق» — بما في ذلك تحويلات الرواتب، والدعم المالي للميزانية، والتعهدات الإنسانية — عتبة الـ3 مليارات دولار. وتشير بعض التقديرات داخل أوساط أجهزة الاستخبارات الخليجية إلى أن هذا الرقم أعلى بنسبة تتراوح بين 30 و40٪، وذلك مع الأخذ في الاعتبار المدفوعات التي تُحوَّل عبر وسطاء ولا تظهر في الإعلانات الرسمية عن المساعدات.

أمضى محمد بن سلمان عقدًا من الزمن في قصف اليمن، وأودى بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، وتسبب في أكبر أزمة إنسانية في العالم، ثم، عندما تبين أن الحوثيين يصعب كسر شوكتهم، بدأوا في دفع أموال لهم مقابل عدم الرد بإطلاق النار. لم يستطع محمد بن سلمان هزيمة ميليشيا لا تمتلك أسطولاً بحرياً ولا سلاحاً جوياً ولا دولة فاعلة تدعمها. دعونا نسمي الأمور بمسمياتها: السعوديون يدفعون مقابل الحماية من الحرب ذاتها التي أشعلوها، والعبقري الذي يقف وراءها عليه الآن أن يتعامل مع إيران.

عندما ننظر إلى الصورة الأوسع ونحلل الوضع الاقتصادي الحالي الذي تمر به السعودية، يتضح بشكل لا لبس فيه أن محمد بن سلمان قد اشترى أكثر مما يستطيع تحمله. المملكة العجز في الميزانية للربع الأول من عام 2026 وبلغ العجز 33.5 مليار دولار، وهو أكبر عجز ربع سنوي في تاريخ المملكة. وتستمر عائدات النفط في الانخفاض بينما يظل سعر التعادل عند 88 دولارًا للبرميل ويبلغ سعر برميل النفط من نوع برنت 61 دولارًا. أما تأمين الشحن عبر مضيق هرمز فهو ارتفاع بنسبة 2,000 في المائة. إلغاء عقود «نيوم» — 6 مليارات دولار في شهر مارس وحده. تخفيضات صندوق الاستثمار العام (PIF) بقيمة ستون في المائة في أكثر من مائة شركة. توقف «الخط». أما «رؤية 2030»، ذلك المشروع الضخم الذي كان من المفترض أن يجعل كل هذا أمراً غير ذي أهمية — الاقتصاد المستقبلي الذي سيتجاوز النفط، ويجذب الاستثمارات العالمية، ويحول الصحراء إلى مركز تكنولوجي — فقد أصبح محطماً جراء الحرب التي ساهم مهندسها في إشعالها ولا يستطيع إنهاءها.

كما وقد وثّق هذا المنشور، يترأس محمد بن سلمان مجلس إدارة صندوق الاستثمار العام، كما يترأس المجلس الذي يشرف على المجلس، ويقوم بتعيين كل عضو فيه. إن خفض قيمة المشاريع الضخمة التابعة للصندوق بقيمة 8 مليارات دولار، وإلغاء العقود، وعمليات التسريح — كل ذلك يعود إلى صانع قرار واحد لا يمكن استجوابه، ولا يمكن نقض قراراته، ويبدو أنه لا يمكن إقناعه بأن جيشًا مبنيًّا على المحسوبية القبلية والمعدات الأمريكية التي بالكاد يعرف كيفية تشغيلها ليس هو نفسه جيشًا حقيقيًّا.

المواطنون السعوديون يشاهدون الطيارين الباكستانيين وهم يحرسون أجواء بلادهم. إنهم يشاهدون كيف أن 78 مليار دولار سنويًا لا تشتري شيئًا فعالاً عندما يحين وقت الحاجة. إنهم يشاهدون ولي العهد الذي وعدهم بمستقبل يتجاوز النفط، بينما يشهد انهيار الرؤية التي كان من المفترض أن تحقق ذلك المستقبل، وفي الوقت نفسه يوقع بهدوء على شيكات للميليشيات اليمنية التي وعد ذات يوم بتدميرها. العقد الاجتماعي الذي حافظ على استقرار المملكة لعقود — الإعانات والصمت، والثروة مقابل الطاعة — يعتمد على استمرار الجزء المتعلق بالثروة، وهذا الجزء بدأ في الانهيار.

الفئات: , , , , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *