على مدى عقود، اتبعت سلطنة عمان سياسة خارجية قائمة على الحياد المستمر والوساطة النشطة. وفي عهد السلطان قابوس بن سعيد، حافظت مسقط على علاقات متوازنة مع إيران والعراق وإسرائيل والسلطة الفلسطينية والقوى الغربية في آن واحد. وحافظ خليفته، السلطان هيثم بن طارق، على هذا التوجه الأساسي تحت قيادة وزير الخارجية السيد بدر بن حمد البوسعيدي. خلال الأسابيع الأولى من عام 2026، وقفت عُمان في قلب العملية الدبلوماسية الأكثر أهمية في الشرق الأوسط: المفاوضات النووية غير المباشرة بين واشنطن وطهران. وقد وضع اندلاع الحرب في 28 فبراير نموذج عُمان للحياد البناء تحت أشد ضغط في تاريخها الحديث.
الساعات الأخيرة لقناة مسقط
بدأ المسار الدبلوماسي الذي انتهى بالحرب في أبريل 2025، عندما بدأ المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس أراغشي محادثات في مسقط. وقام البوسعيدي بنقل الرسائل بين الوفدين اللذين كانا يجلسان في غرفتين منفصلتين. وانتقلت الجولات اللاحقة في روما ومسقط إلى مناقشات فنية حول إطار عمل محتمل. وتركز الخلاف الأساسي على التخصيب: فقد طالبت واشنطن إيران بوقف جميع أنشطتها، في حين رفضت طهران ذلك باعتباره انتهاكاً لحقوقها السيادية، بعد أن قامت بتخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء تبلغ 60 في المائة منذ تخليها عن حدود خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.
بحلول فبراير 2026، استؤنفت المحادثات وسط تصاعد التوترات. وأعلن البوسعيدي علنًا أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات. وفي 27 فبراير، وجه نداءً دبلوماسيًا أخيرًا لم يلق أي استجابة. ومع وثقت جمعية مراقبة الأسلحة، وقد أسفرت المناقشات الفنية عن إحراز تقدم، لكن الفجوة بين المطالب الأمريكية بوقف التخصيب تمامًا وإصرار إيران على الاحتفاظ ببرنامجها تبين أنها لا يمكن سدها. وأثار قرار شن ضربات جوية في خضم المفاوضات الجارية تساؤلات حول دور الوساطة عندما ينظر أحد الطرفين إلى المسار الدبلوماسي على أنه مسار موازٍ للعمل العسكري، وليس بديلاً عنه.
الحياد تحت النار
إن الموقع الجغرافي لعمان، التي تشترك مع إيران في مضيق هرمز، يعرضها بشكل مباشر لأي تصعيد إقليمي. وقد أصبح هذا التعرض ملموساً. فقد ضربت طائرات بدون طيار منشآت في الدقم وصلالة، مما أدى إلى إتلاف خزان واحد على الأقل لتخزين الوقود. كما أصبحت صحار، الميناء الصناعي الرئيسي في عمان، ضمن المنطقة المصنفة على أنها عالية المخاطر من قبل سوق التأمين في لندن، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف استئجار السفن. وتعرضت سفينة تجارية للهجوم بالقرب من ميناء مسقط. ونفت إيران استهداف عمان بشكل مباشر، ملمحة إلى عمليات تحت راية زائفة، لكن الأضرار كانت حقيقية.
الـ ملف تعريفي عن عُمان صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس تشير التقرير إلى أن السلطنة سعت تاريخياً إلى ضمان ألا تنتهك المشاريع الثنائية مع إيران العقوبات الأمريكية. لكن الحفاظ على هذا الحد أصبح أصعب بكثير في ظل الحرب المفتوحة. فقد رفضت عُمان الانضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن عام 2015، وتستضيف المتحدث باسم حركة الحوثيين، مما يجعلها المكان الرئيسي للتواصل مع السلطة الشمالية الفعلية في اليمن. وقد أدى اندلاع الحرب إلى تعقيد هذا الدور مع تحرك الجماعات المدعومة من إيران في أنحاء المنطقة.
الضعف الاقتصادي
تعتمد «رؤية عمان 2040» على الاستثمار الأجنبي والسياحة والخدمات اللوجستية والتنمية الصناعية، وهي مجالات تتطلب جميعها طرقاً بحرية مستقرة. وقد أدى إغلاق المضيق إلى تعطيل صادرات عمان من الطاقة، على الرغم من أن موانئها المطلة على بحر العرب توفر بدائل جزئية لا تتوفر لجيرانها في الخليج. وقد نشرت الهند وباكستان مدمرات لمرافقة ناقلات النفط في خليج عمان، لكن التغطية لا تزال محدودة. تحليل مؤسسة راند للسياسة الخارجية العمانية يصف نهج مسقط بأنه نهج براغماتي: فهو لا يبالغ في تقدير قدراته ولا يستبعد خصومه السابقين كشركاء. وتخضع هذه البراغماتية للاختبار في ظل ضغوط لا تستطيع الاحتياطيات المالية المتواضعة للسلطنة تحملها.
ضرورة الوساطة
على الرغم من الانهيار الذي حدث في فبراير، تظل عُمان القناة الأكثر مصداقية لتهدئة التوترات. فسجلها الحافل في تيسير القناة الخلفية السرية التي سبقت اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) لعام 2015، وترتيب عمليات تبادل الأسرى، واستضافة ممثلي الحوثيين، يمنحها مصداقية لا تمتلكها أي دولة إقليمية أخرى. وقد عرضت باكستان استضافة المحادثات، لكن مسقط لا تزال تحتفظ بأعمق ذاكرة مؤسسية فيما يتعلق بالملف النووي. وبما أن قام معهد استقرار منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدراسة، فإن التبعات الاقتصادية للحرب تمتد إلى ما هو أبعد من منطقة الخليج، مما يعزز الحاجة إلى العودة إلى الحوار الذي تتوسط فيه عمان.
أصبح البوسعيدي أكثر صراحةً، حيث صرح علنًا بأن عُمان تعتبر إسرائيل، وليس إيران، المصدر الرئيسي لانعدام الأمن في المنطقة. وتعكس مثل هذه التصريحات كلاً من المشاعر الداخلية والحسابات الدبلوماسية لدولة تحتاج إلى حسن نية إيران للحفاظ على دورها الوسيط. وقد جعلت الحرب عملية الموازنة هذه أكثر حساسيةً إلى حد كبير. يجب على عُمان أن تُظهر تضامنها مع جيرانها في الخليج، الذين يتعرضون لهجمات يومية بالصواريخ والطائرات المسيرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقة مع طهران التي تجعل الوساطة العُمانية ممكنة في المقام الأول.
التوقعات
بالنسبة لبلد يقل عدد سكانه عن خمسة ملايين نسمة وتتمتع بقدرات عسكرية محدودة، فإن نفوذ عُمان يقوم على الثقة وسجل حافل في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة عندما يسمح الآخرون بإغلاقها. وإذا تمكنت مسقط من التوسط في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فسوف تتعزز سمعتها باعتبارها الوسيط الذي لا غنى عنه في المنطقة لمدة جيل كامل. أما إذا اشتد الصراع، فإن قرب عُمان من مسرح الأحداث وهشاشتها الاقتصادية سيضعانها في موقف حرج للغاية. يظل الخيار الاستراتيجي للسلطنة دون تغيير منذ عهد القابوس: أن تكون الدولة التي تتحدث مع الجميع، حتى عندما لا يتحدث أحد آخر. والسؤال الذي سيحدد مستقبل عمان في العقد القادم هو ما إذا كان هذا النهج سيصمد أمام حرب إقليمية شاملة.













اترك تعليقاً