في 4 مايو 2026، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن «عملية مشروع الحرية»، وهي مهمة عسكرية أمريكية تهدف إلى مرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بعد أشهر من المضايقات الإيرانية والحصار الإيراني الذي أعقب «عملية الغضب الأسطوري». وبعد بضع ساعات، كانت العملية قد متوقف مؤقتًا في إطار ما وُصف بأنه تفاهم دبلوماسي متبادل مع طهران. لكن السبب الحقيقي كان أقل بريقاً بالنسبة للولايات المتحدة. وفقاً لـ تقرير من NBC News، وكانت المملكة العربية السعودية قد علقت بهدوء حقوق الوصول والانتشار والعبور الجوي الأمريكية، ورفضت السماح باستخدام قاعدة الأمير سلطان الجوية، وأغلقت أجواءها أمام الطائرات التي كانت العملية تتطلبها. ولم تنجح مكالمة هاتفية بين الرئيس وولي العهد الأمير محمد بن سلمان في كسر هذا الجمود. ومن الناحية العملية، تم إجهاض العملية في الرياض قبل أن يتم تنفيذها في الخليج.
لم يكن هذا مجرد موقف محرج لواشنطن، بل كان بمثابة لمحة توضيحية تكشف عن المذهب الاستراتيجي لمحمد بن سلمان، وهو ما يواصل اتباع نمط ناشئ قمنا بتوثيقه في معهدنا في مقالات سابقة التهدئة مع إيران, عملية «إبيك فيوري» و انسحاب الإمارات العربية المتحدة من تحالف أوبك+.
حق النقض دون مبرر مبدئي
لم يكن قرار الرياض بحرمان «أبو» من حقوقه إعلاناً عن الحياد. فالمملكة لا تزال متحالفة رسمياً مع الولايات المتحدة، وتستضيف القوات الأمريكية، وتعتمد في نهاية المطاف على الأمن الذي توفره تلك القوات، حتى في الوقت الذي نشهد فيه مزيداً من المساعدة من باكستان. كان اعتراضها، الذي تم نقله عبر قنوات دبلوماسية خلف الكواليس، هو أن الرئيس ترامب أعلن عن مشروع «الحرية» على وسائل التواصل الاجتماعي، كما يفعل غالبًا مع السياسات، دون تنسيق كافٍ، وأن مرافقة ناقلات النفط تحت النيران قد يؤدي إلى تصعيد حرب ظل ولي العهد يصر خلال العامين الماضيين على أنه نجح في نزع فتيلها. لذلك كان حق النقض تكتيكيًا وخلق موقفًا ترك الجميع دون أي بديل لحماية ممرات الشحن التي يتم عبرها نقل ما يقرب من خمس استهلاك النفط العالمي.
هذه هي السمة المتكررة لسياسة محمد بن سلمان الخارجية في عام 2026. فولي العهد يخلق مرارًا وتكرارًا مواقف تكون فيها المملكة العربية السعودية هي العائق الذي لا غنى عنه أمام تحركات الآخرين، دون أن يقدم أي بديل. تم الترويج لتطبيع العلاقات مع إيران عام 2023، الذي توسطت فيه بكين، على أنه أساس لنظام إقليمي جديد. وبحلول الوقت الذي عادت فيه القوات المدعومة من إيران إلى زرع الألغام في المضيق واستهداف الملاحة البحرية في الخليج، كان النظام قد انهار، وكان رد الرياض هو رفض السماح للقوات العسكرية الوحيدة في المنطقة القادرة على إعادة فتح الممر المائي باستخدام قواعدها.
التناقض الكامن في صميم المملكة
لا تستطيع المملكة العربية السعودية تحمل تكلفة خوض حرب مع إيران. كما أنها لا تستطيع تحمل إغلاق مضيق هرمز. فالمشروع الاستراتيجي لولي العهد يتطلب في آن واحد مظهر الاستقلال عن واشنطن وجوهر الحماية الأمريكية. وقد أجبره «مشروع الحرية» على الاختيار، فاختار المظهر. والآن يتحمل الخليج بأسره هذه التكلفة. انسحاب الإمارات العربية المتحدة من أوبك+ في الأول من مايو 2026، كانت أبوظبي قد أشارت بالفعل إلى أنها لم تعد مستعدة لإخضاع سياستها في مجال الطاقة لقيادة سعودية تعتبرها غير جادة من الناحية الاستراتيجية وتختفي في مواجهة الشدائد. وقد أكد هذا القرار ذلك للعالم بأسره.
وفي الوقت الذي كان فيه المجال الجوي السعودي مغلقًا أمام الطائرات الأمريكية، أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاملة الطائرات شارل ديغول نحو جنوب البحر الأحمر، وبدأ تحالف يضم أكثر من أربعين دولة في وضع خطط طوارئ لإجراء مهمة مرافقة متعددة الجنسيات. ولا يمكن المبالغة في تقدير الأثر الذي يترتب على ذلك. فقد تحولت المملكة التي كانت تعتبر نفسها قائدة العالم العربي إلى مجرد دولة تستخدم حق النقض لمنع عمليات الآخرين، في حين تستعد أساطيل أوروبية من خارج منطقة الشرق الأوسط للقيام بهذه المهمة.
باكستان وقطر ودبلوماسية الحفاظ على ماء الوجه
باكستان وقطر: لم تدم هذه الهدنة طويلاً بسبب تدخل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وأمير قطر. تصريحات شريف العلنية والدبلوماسية الرامية إلى حفظ ماء الوجه بيان شكر إلى الرئيس ترامب، إلى جانب الثناء المفرط على ولي العهد، سمح للرياض بتقديم حق النقض كجزء من مبادرة سلام منسقة بدلاً من أن يكون عملاً أحادي الجانب يهدف إلى عرقلة المسيرة. وهذا أسلوب مألوف في التخطيط السياسي العلني. فعندما تؤدي قرارات ولي العهد إلى نتائج غير مريحة، يتم الاستعانة بأطراف ثالثة لتوفير المصطلحات الدبلوماسية التي تحول التناقضات إلى حنكة سياسية. كان هذا النمط واضحاً في إعلان بكين لعام 2023، وفي مفاوضات وقف إطلاق النار مع الحوثيين، والآن في وقفة ”مشروع الحرية“. في كل حالة، يتحمل الآخرون الضرر الجوهري الذي يلحق بالردع، وثقة الحلفاء، والأمن الإقليمي، بينما يتم تنظيم السرد العام لجمهور السعودية المحلي.
الآثار المترتبة على الاستقرار الإقليمي
وينتج عن ذلك ثلاث استنتاجات. أولاً، تضاءلت القيمة الرادعة لموقف الولايات المتحدة في الخليج بشكل ملحوظ جراء الإجراء السعودي. فقد لاحظت إيران الآن، في الوقت الفعلي، أن أي عملية أمريكية معلنة يمكن تحييدها بانسحاب القوات من المجال الجوي السعودي، وستأخذ هذه المعرفة في الحسبان في حساباتها المستقبلية. ثانياً، تلقت مصداقية القيادة السعودية داخل مجلس التعاون الخليجي ضربة أخرى. فقد أدى انسحاب أبوظبي من «أوبك+» وخطوة مسقط حياد حذر كانت هذه بالفعل مؤشرات على أن «المجلس» لم يعد مركز الثقل السعودي هو الذي يسيطر عليه. وقد أدى استخدام حق النقض ضد «مشروع الحرية» إلى تسريع هذا الانحراف. ثالثاً، فإن النموذج الاقتصادي لـ«رؤية 2030» — الذي افترض استقراراً في منطقة الخليج، واستمرار ارتفاع عائدات النفط والإنتاج، وبيئة أمنية مواتية لرأس المال الأجنبي — يعمل الآن في ظل ظروف لم يتصورها مخططه أبداً.
يحتفظ ولي العهد بلقب «خادم الحرمين الشريفين» ومنصب رئيس الحكومة. لكن ما لم يعد يمتلكه، بعد أحداث أوائل مايو، هو الصورة الدبلوماسية التي أمضى العقد الماضي في بنائها: وهي الانطباع بأنه يدرك عواقب خياراته. لم يفشل مشروع «الحرية» لأن إيران انتصرت. بل فشل لأن المملكة، بتوجيه من محمد بن سلمان، الذي يصف نفسه بأنه حجر الزاوية لأمن الخليج، أغلقت مجالها الجوي أمام العملية التي كانت ستضمن أمنها.













اترك تعليقاً